محمد بن محمد ابو شهبة
378
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
استدعى النجاشي أساقفته « 1 » ، فنشروا مصاحفهم « 2 » حوله - سألهم ، فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ ! . فتولى الكلام عنهم سيدنا جعفر بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - فقال له : أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه ، لنواحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد اللّه واحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة ، والزكاة . . وعدّد عليه أمور الإسلام . فصدّقناه ، وامنا به ، واتّبعناه على ما جاء به من اللّه ، فعبدنا اللّه واحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا ، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا ، وضيّقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألانظلم عندك أيها الملك ! ! فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن اللّه شيء ؟ قال له جعفر : نعم ، فقال له النجاشي ، فاقرأه علي ، فقرأ عليه صدرا من سورة مريم ، فبكى النجاشي حتى اخضلّت « 3 » لحيته ، وبكى أساقفته حتى أخضلوا لحاهم حين
--> ( 1 ) جمع أسقف بضم الهمزة ، وسكون السين ، وتخفيف الفاء وتشديدها . وهم علماء النصارى الذين يقيمون لهم دينهم . ( 2 ) أي أناجيلهم ، وكانوا يسمونها مصاحف . ( 3 ) ابتلت بالدموع .